عن كاتب المقال
هو «يوري فاليريفيتش مكسيموف»، شخصية بارزة في الكنيسة الروسية الأرثوذكسية: فهو من ناحية عالم لاهوتي أرثوذكسي، وأستاذ في أكاديمية موسكو الدينية، وهو من ناحية عضو مجموعة العمل التابعة لمجلس السنودس لشئون التخطيط للحوار بين الأديان التابع للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وله مشاركات وحضور في عدد من المؤتمرات العالمية، وله كذلك عدد من الدراسات والكتب التي تتناول المسيحية وعلاقتها بالإسلام ومؤلفات أخرى لاهوتية بعضها ترجم إلى لغات أوروبية عديدة.
تنبيه:
سأضع بإذن الله تعليقات الرجل مميزة باللون الأصفر عن أسباب اعتناق الإسلام التي ذكرها في المقال.
****************************************
لماذا يدخلون الإسلام ويهجرون المسيحية
بقلم/يوري فاليريفيتش ماكسيموف
مقدمة لابد منها
في معرض تحليلنا لما بين أيدينا من معلومات سنوردها في مقالنا هذا اصطدمنا بخاصية طريفة من خصائص المسيحية المعاصرة. فانتشار تعاليم المسيح في الغرب في القرن العشرين تميز بسعي الناس الحثيث هناك إلى إدخال تعديلات إصلاحية على المسيحية، وإلى مسايرة العصر الذي نعيش فيه. والنتائج لم تتركنا منتظرين طويلًا: فالمسيحية في صورتها الإصلاحية لا تصمد أمام الإسلام «في سباق». هذا الأمر يصدق على البروتستانتية كما يصدق على الكاثوليكية الإصلاحية على حالتها التي صيغت بها خلال المجمع الفاتيكاني الثاني.
في الوقت ذاته، لا تنطبق الغالبية الساحقة من هذه الشكاوى التي يجعلها مسيحيو الغرب مبررًا لاعتناقهم الإسلام على الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الأمر الذي يمكن أن يجبر من يفكرون في أن الإصلاح له فوائد ستجنيها الكنيسة الأرثوذكسية أن يترووا في هذا الشأن. أثناء السرد التالي سيصبح ضروريًّا لنا أن نركز، فيما يتعلق بهذا الأمر، على مقصود هؤلاء الضالين من إطلاقهم لمصطلح «الكنيسة» عندما يقارنون بين الكنيسة وبين الإسلام.
مدخل:
لا شك أن القرن المنصرم هو عصر النهضة الإسلامية. فخلال عدة عشرات من السنين تضاعف عدد معتنقي الإسلام في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية. لقد قاد الإسلام أكثر عمليات التبشير نشاطا ونجاحًا على نحو مدهش بحسب المعايير المادية. في القارة الإفريقية ينتشر الإسلام بمعدلات هائلة. فوفقا لإحدى الإحصائيات، بنهاية الثمانينات، في مقابل كل إفريقي واحد دخل المسيحية، هناك ثلاثة دخلوا الإسلام. وكذلك بين الأمريكان من أصل أفريقي، هناك إقبال هائل على دخول الإسلام. وفي أوروبا يقدر عدد الداخلين في الإسلام من الأوروبيين ذوي الأصل المسيحي بعشرات الآلاف، من إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإنجلترا وغيرهم.
وروسيا كذلك تواجه المشكلة ذاتها. فالحديث يدور منذ زمن عن جنودنا الذين يعتنقون الإسلام بعد أن مروا بتجربة الوقوع في الأسر في الشيشان، وقبل ذلك في أفغانستان. والناس يقبلون على الإسلام في المدن والقرى الروسية بكامل إرادتهم.
من بين معتنقي الإسلام في السنوات الأخيرة من أصل أرثوذكسي في المناطق الخاضعة دينيا لنفوذ الكنيسة الروسية أناس من مختلف طبقات المجتمع، نساءً ورجالًا، ومن مختلف الأعمار، بل يوجد كذلك حالات لأناس غير عاديين( قساوسة ومحافظي مدن محلية، وأعضاء فرق موسيقية معروفة وغير ذلك.). بلغة الأرقام، ، ووفقا لما نشر في القسم الديني لصحيفة «زافيسيمايا جازييتا»، تزايد عدد من يعتبرون أنفسهم مسلمين خلال السنوات العشر المنصرمة في جمهورية روسيا الاتحادية من 8% إلى 9% . هذه الـ 1% هي بلا شك رقم خطير، فهو يعني مليونا ونصف المليون من بني الإنسان. إلا أنه من الصعب، إذا وضعنا عدد المهاجرين إلى روسيا في الاعتبار، تحديد العدد الحقيقي للنسبة التي يمثلها المعتنقون الروس للإسلام. بطبيعة الحال هذه النسبة ليست بالضخامة التي يزعمها المسلمون، وليست كذلك بالعدد الضئيل التافه الذي يزعمه المسيحيون.
إذا تحدثنا عن هذا الموضوع ينبغي أن ننحي الآراء القاطعة جانبًا. لا حاجة بنا أن نقول إننا لن نقتفي آثار شيوخ المسلمين في تهويلاتهم عن موكب الإسلام المنتصر الذي سيبلغ ما بلغ الليل والنهار… ففي حديث شخصي مع «مارك أكسبروي»، رأس كنيسة مجتمع التبشير(وهي عضو رسمي في الكنيسة الأنجليكانية، وتمارس التبشير الخارجي)، سألته عن نسبة الداخلين في الإسلام في مقابل الخارجين منه. أجابني الرجل أن مؤسسته درست هذه القضية دراسة خاصة وقامت بالأبحاث المناسبة والتي تخوله أن يقول إنه في حقيقة الأمر وعلى نطاق عالمي حجم الخارجين عن الإسلام إلى المسيحية يبز عدد المعتنقين للإسلام من المسيحية. فيما يتعلق بالوضع في روسيا، فالمطران «كيريل»، رئيس قسم العلاقات الخارجية في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، من ناحيته، يذكر في واحد من لقاءاته أن عدد المعتنقين للمسيحية من القومية الروسية من ذوي الأصل الإسلامي يزيد عن نظرائهم المعتنقين للإسلام من الأرثوذكس. أحد المحللين الغربيين أعلن أنه في السنوات الأخيرة عدد المسلمين ممن تحولوا إلى المسيحية يربو عن أمثالهم خلال تاريخ الإسلام كله.
مع ذلك ينبغي أن نعترف أن عدد المرتدين عن المسيحية إلى الإسلام عن قناعة وبطيب خاطر عدد هائل بنسب غير مسبوقة. وقد خصصت هذا المقال لدراسة أسباب هذه الظاهرة.
1- عقلانية الإسلام
من بين الأسباب الرئيسية التي جذبت أنظار الغربيين المعاصرين إلى الإسلام هو ما لا مفر من أن نطلق عليه «العقلانية المطلقة التي يتميز بها الإسلام». الإسلام ديانة ليس بها أسرار. الإسلام لا يضع عقل المسلم في مجابهة مع ضرورة ترويض النفس لتقبل أمور غير مفهومة جوهريًّا، وهو ما يختلف تماما مع الوضع في الديانة الأرثوذكسية، التي تتميز بحثها الدائم على ترويض النفس على تقبل مثل هذه الأمور: سواء أكان ذلك عند الدراسة النظرية للاهوت الأرثوذكسي، أو عند التطبيق العملي: في ممارسة الطقوس الليتورجية أو في مواجهتنا لأي أيقونة تمثل صورةً للفادي أو لأمه، أم الإله، أو في كل عبادة للفرد أمام ربه مثلث الأقانيم.(2)
يرتاح العقل بيسر أكبر للدين ذي التعاليم المفهومة والبسيطة. وهنا يكمن السر في جاذبيته. الإنسان المعاصر الذي ربي على أن كل المفاهيم العلمية والفنية والاقتصادية والسياسية ينبغي أن تكون سهلة وميسرة وفي متناول يده، يتوقع من الحقيقية الدينية أن تكون واضحة وبسيطة وقابلة للاستيعاب من مستويات الذكاء جميعا…والإسلام يتجاوب مع كل هذه التوقعات. فليس في الإسلام طقوس دينية، ليس فيه أسرار كنسية، ليس فيه تناقضات، ليس فيه لاهوت سلبي أو تنزيهي. يترك هذا في نفس المؤمن الجديد بالإسلام انطباعا أن هذا دين العدالة الذي يسمح للمرء أن «يقيم مع الله علاقة مباشرة، لا وجود فيها للوسطاء». يقول أحد هؤلاء:« فيما يتعلق بقيمة العدالة، هذا الأمر كذلك له أهمية كبيرة في اختياري للدين، وكان هذا واحد من الأسباب الرئيسة لتفضيلي الإسلام على غيره»
تصور الإنسان للإله كإله عادل أقل إشعارًا بالمسئولية الدينية عن تصوره إياه كإله محب، أما فيما يتعلق بالأفكار الخاصة ب«العلاقة المباشرة مع الله» فمن اليسير إخفاء الغياب الكامل لمثل هذه العلاقة.
2-الروحانية الصوفية
بالنسبة لطبقة المثقفين، ممن ضاقت عقولهم ذرعًا وأصابها الملل من عالم تسوده العقلانية القاسية، الإسلام مؤهل ليقدم لهم غابة خيالية من الروحانيات الصوفية الإسلامية. من يبحث، يجد هنا في الإسلام ثقافة تشكلت عبر قرون كثيرة من الأفكار الزهدية والأشعار الروحانية السامية تنشر فكرة إله المحبة والسعي وراء التأمل في الإله كمتعة دينية سامية. في مظهره الصوفي كان الإسلام ذا جاذبية لكثير من صفوة النخبة الفكرية في الغرب، مثل «ر.جينون» و«روجيه جارودي» و«فريتجوف شيون»، والمستشرقين من أمثال «م. لينجز» و«ت.بوكهارت» و«ج. ميشون»و«م.شودكيفيتش» وآخرين.
كذلك بالنسبة لهؤلاء ، أعني من يتمتعون، حال توفر الرغبة والتعطش للكشوف الروحانية، بذوق بشع، ستبدو الصوفية بطبيعتها في هيئة غامضة ومبتذلة. ورغم ما تتميز به من طبيعة متناقضة، إلا أن الدعاية الدينية الإسلامية استطاعت أن تستغل بنجاح كبير الميل إلى لاشتغال بعلوم السحر ودراسة الأجسام الغامضة التي ازدهرت على نحو كبير في بلادنا منذ مطلع التسعينات. و سنذكر بلا ريب بعض الأمثلة التي تعزز قولنا هذا، يقول أحد الصوفية:
« قدرات كثير من الصوفية الحقيقيين هائلة لدرجة أن كل الظواهر العلوية هي عمليا أمور منظورة بالنسبة لهم. فهم قادرون على التواصل مع الذوات التي تنتمي للعوالم المادية ذات الطبيعة الشفافة ومع الحضارات غير الأرضية».
« يرى الصوفية أن الإنسان، هذا المخلوق الفريد، يمثل اتحادًا لمكونات
ثلاثة: جسد مادي كثيف، جوهر مادي رقيق(النفس) وأصل الوجود الإنساني: الروح. ويطلق كذلك على النفس اسم «الروح الحيوانية»، أما في العلم الحديث فيتم تعريفها تحت مسمى الحقل البيولوجي(الهالة الطاقية). هذه النفس تطوِّق الجسد المادي الكثيف للإنسان، وتأخذ لنفسها شكل بيضاوي(يضيق من ناحية الأقدام) وتتكون من سبعة طبقات من الطاقات-المعرفية، «الجسد»، كل طبقة منها لها بنيتها المعقدة:
هيكل طاقي ذاتي، نور(أنوار النفس في المحصلة تذكرنا بقوس قزح)، نطاق تردد الاهتزازات، لغرض الاستقطاب وغير ذلك من أشياء. ست طبقات منها ترتبط بجسدنا المادي الكثيف ببعض «الخيوط» الطاقة-المعرفية، ومواضع اتصالها لها شكل الدائرة في حجم قطعة العملة وتسمى «لطائف». اللطائف هي مفاتيح النفس، والتي يعمل الصوفي عبرها من البداية».
هذه الصوفية المبتذلة بمقدورها إشباع التوق إلى التصوف الرخيص المبتذل في ظل الجهل الديني العام والجهل بكنوز اللاهوت الأرثوذكسي الصوفي.
3- الإعلاء من قيمة التراث والتمسك به(الالتزام بالإسلام التقليدي)
راهن المبشرون المسيحيون من كل الطوائف خلال القرن العشرين وبالإجماع تقريبا على «التبشير بلغة يفهمها الإنسان المعاصر»، و ماذا حدث؟!!! خسروا الرهان. أما الدعاة المسلمون، فقد راهنوا على الثقة بالقديم، الثقة بالتراث…وربح البيع. إلى جانب اللغة اللاتينية، يتردد صدى اللغات المحلية داخل جدران الكنائس الكاثوليكية، ورغم ذلك: الكنائس مهجورة. أما المساجد الحديثة البناء، فتتردد بين جدرانها أصداء الصلوات تتلى باللغة العربية، وبالعربية لا غير، والنتيجة: تغص المساجد بالمصلين، وكثيرًا ما تصادف بينهم أوروبيي الأصل من المسلمين الجدد. ومن الملحوظ جدا أن ترى أن المسلمين الجدد في البلاد الغربية وقد اعتنقوا أكثر الأشكال التقليدية للإسلام صرامة، بينما الإسلام العصري لا يجد قبولا إلا في أوساط المسلمين بالوراثة. بحسب ما صرح به المرتدون عن المسيحية أنفسهم، تقليدية الإسلام هي تمامًا ما جذبهم إلى الإسلام. تقول إحدى النساء التابعات سابقا للكنيسة الإنجليكانية بعد أن اعتنقت الإسلام:« لا يغير المسلمون عقائدهم، كما يغير المسيحيون عقائدهم.»؛ ويكرر المعنى نفسه مسلم فرنسي الأصل قائلا:« في استقرار العقائد الإسلامية وجدت الهدوء الذي لم أجده من قبل في الكاثوليكية. ليس في الإسلام عقائد أعيد النظر فيها أو عقائد جرى تنقيحها. ولو عاد مسلم عاش منذ عدة قرون إلى الحياة في عصرنا الحاضر، سيجد الإسلام نفسه بكامل معتقداته».
النسوة الأوروبيات اللائي اعتنقن الإسلام لا يحترمن فحسب التعاليم الإسلامية التي يعتبرها المجتمع العلماني المعاصر تعاليم متحيزة( مثل تعدد الزوجات وارتداء النقاب وغيرها) ، بل ويدافعن عنها بكل حماس وغيرة.
لو تأملنا في أسباب هذه الحقيقة التي تبدو غريبة للوهلة الأولى، للزمنا الاعتراف بأن الطابع التقليدي للإسلام يحافظ على الفروق بين عالمين اثنين، عالم الرجال وعالم النساء، وهذا يجذب إليه انتباه سكان الغرب ومن بينهم النساء، ممن سحقن تحت أقدام ثقافة التحرر المفروضة على الغرب المعاصر فرضًا. لقد محيت هذه الفروق بين هذين العالمين بفعل حضارة هذا العصر، الأمر الذي أثَّر بالسلب على الوعي الإنساني، للمرأة وللرجل على حدٍّ سواء، وعَوْا ذلك أم لم يعوه.
ومع ذلك، فهذا الأمر لنا منه نحن الأرثوذكس نصيب، فالفرق بين العالمين نجد انعكاساته في تقاليد الكنيسة أكثر كمالا وعمقا ودقة من نظيره في الإسلام. ولو أن المحافظة على التقليد الأرثوذكسي كانت محافظة صحيحة وصادقة، لا من ناحية المظهر فحسب،لجعل هذا تقليدنا الأرثوذكسيَّ الأطروحةَ الأكثر نجاحا في مواجهة الدعوة الإسلامية داخل بلادنا.
4- أقل قدر من الفرائض
بالإضافة إلى ما سبق، الإسلام هو الديانة المناسبة للكسالى من الأرثوذكس، ؛ إنه دين الراحة. فالحديث لا يدور فحسب، بالمقارنة مع المسيحية، عن أكثر المداخل وضاعة لما يعتبر خطيئة، بل يتعداه إلى الغياب الحقيقي لمبادئ العمل الكفاري. الله، بحسب العقيدة الإسلامية، إله رحيم وغفور، وهو بذلك يغفر أي ذنب، إلا أن يتخذ المرء معه شريكًا. ليس ثمة ضرورة لأن أتحدث بالتفصيل عن السبب الذي يجعل ديانة هذا وصفها شديدة الجاذبية لإنسان لم تعتد نفسه على أي قيود. هذا الدين يسمح لأتباعه أن يعيشوا غارقين في شهوانيتهم ورغم ذلك يعيشون مرتاحي الضمير في سلام مع الله. إنها عقيدة إيمانية لا تفرض على أتباعها فروضا تعينه على الانبعاث الروحي أو التخلص من خطايا الحياة. لو كانت المسيحية منذ البداية تطلب من الإنسان أن يضحي من أجل إلهه( مثل الحلق الرمزي لشعر رأس المعمَّد عند إجراء سر التعميد على سبيل المثال تعني هذا الأمر تماما) وإذا كانت المسيحية تنص على أنه من خلال سر المعمودية يتحرر الإنسان من سلطان الخطية ويصير وارثا للحياة الأبدية، فإن اعتناق الإسلام بحسب العقيدة الإسلامية ليس سرًا من الأسرار ولا يتطلب القيام بالإجراءات السابقة الذكر، اعتناق الإسلام بسهولة تعبئة نموذج أو استمارة…بسيط، غير مكلف ومريح.(3) إن الإسلام في الحقيقة هو ديانة هينة كثيرًا ويسيرة إذا ما قورنت بالديانة المسيحية الأرثوذكسية. لكن هذا الأمر لا يعني أنها الدين الصحيح. فالطرق الفسيحة والمريحة هي أوسع السبل إلى جهنم. أما مملكة السماء، فالطريق إليها سبيل شاق وشائك على الدوام. ما ينبغي لنا إذن أن نقتفي آثار المسلمين أو الطوائف الغربية المسيحية التي تسعى حثيثًا إلى «التيسير والراحة». وعلينا أن نتذكر أن الكنيسة هي الحق، وأن الإنسان ينبغي عليه أن يبذل الوسع وأن يعمل جاهدًا لتذليل نفسه للحق. مع ذلك، بعض اللاهوتيين الغربيين يعتقدون أن اعتناق الأوروبيين للإسلام يفسره أنه مقارنة بـ«اليسر»الذي تتميز به المسيحية، فإن الإسلام يقدم لهؤلاء الفرصة لأن يكدوا كثيرا على المستوى الروحي، وأن يمنعوا أنفسهم من شئ ما، وهو الأمر الذي يحدث لهم إحساسًا حقيقيًَّا وعجيبًا بالارتياح ، يشعرون معه بأنهم قدموا للدين( ولله في نهاية الأمر) شيئا ما.
5- البيئة الإسلامية المحيطة
فإذا انتقلنا من الأسباب الداخلية والعقائدية للانتقال إلى الإسلام إلى الأسباب الخارجية والاجتماعية، ينبغي أن نلحظ أن في كثيرٍ جدا من الحالات يعتنق المسيحيون من الجاليات الذين يعيشون في بيئات إسلامية. هذا الأمر ينطبق على روسيا وهو واضح جدا كذلك في أماكن انتشار الإسلام مثل بلاد التتار وفي بشكيريا وفي عدد من المناطق الجنوبية. ليس من العسير تفسير مثل هذا الأمر. فكل إنسان يتواجد تواجدا دائما في بيئات تتميز بتنوعها الثقافي والتقاليدي والديني، يشعر بالاغتراب عن الواقع المحيط به، وهذا الأمر يشعره كل لحظة بأنه مضطهد وبأنه يعيش تحت ضغوط.
في بلادنا كذلك ثمة اهتمام غير كاف يوليه المعنيون في مناطق المركز إلى المواطنين الروس القاطنين في مناطق أغلبيتها من المسلمين. هؤلاء الناس ينتابهم الشعور بأنهم منبوذون ومنسلخون عن شعبهم وبأن شعبهم لا يعبأ بهم، وأن أحدًا لا يدعمهم. في ظروف كهذه، يحاول الإنسان أن يجد لنفسه مكانا دائمًا وسط المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه، فينصهر فيه. فإن لم يجد الشعور الطبيعي بالحاجة للتكامل مع الوسط المحيط في نفس الإنسان المقاومة المبنية على قيم ثابتة ومتجذرة ذات طابع ديني، فإن هذا الإنسان سيسهل عليه اتخاذ خطوة من شأنها أن تحسِّن وضعه داخل المجتمع وتوطده.
أنجع السبل لعلاج هذه المشكلة هي اعتناق الدين، ما دام اعتناق الإسلام يعني في الوقت ذاته القبول في الجماعة(الأمة). وفقا للعقيدة الإسلامية، لا يجوز للمؤمن أن يعيش خارج ديار الإسلام. وعبر الجماعة المسلمة يندمج الفرد مع المجتمع ومع الثقافة الإسلامية. الإنسان المسلم تتحدد رؤيته للمجتمع ذاته بعيون الجماعة أو الأمة، ويتواصل معها دينيا واجتماعيًّا وسياسيًّا عبر الجماعة. داخل الجماعة المسلمة ينتاب المسلم الجديد الشعور بالأخوة الحقيقية: فهنا يتعرف على جماعة المؤمنين الجدد، ويجد الرعاية والدعم. والجماعة لها أيديولوجيتها الداخلية التي تجعل لوجودها معنى، ولذلك، المسلم حديث الإسلام سرعان ما يغادره الشعور بالاغتراب عن إخوانه في الدين. ” عندما انتقلت إلى المجتمع الإسلامي، شعرت بأن المناخ تسوده المحبة وحب الخير والتكافل. فلو حدث ووقع لمسلم أو مسلمة مكروهًا، كان لزاما على الجميع مد يد العون لمن يحتاجها، بل ربما يصل الأمر إلى درجة جمع الأموال، إذا اقتضت الضرورة. فنحن جميعا أسرة واحدة كبيرة“ هذا ما قالته «كريمة»، أو «إيرينا» كما كانت تسمى في السابق.(4)
لمواجهة هذه الظاهرة المحزنة، تستطيع كنيستنا فحسب أن تعيد الحياة إلى السكنى داخل الأبرشيات ونشر التعليم الديني في أوساط الروس الذين يعيشون في المناطق ذات الغالبية الإسلام
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ